أبو نصر الفارابي
117
كتاب السياسة المدنية
والرئيس الفاضل عندهم هو الذي يقتدر على جودة الروية وحسن الاحتيال فيما ينيلهم شهواتهم وأهواءهم على اختلافها وتفننها ، ويحفظهم على ذلك من أعدائهم ، ولا يرزأ من أموالهم شيئا بل يقتصر على الضروري من قوته فقط . وأما الفاضل الذي هو بالحقيقة فاضل وهو الذي إذا رأسهم قدّر أفعالهم وسدّدها نحو السعادة فهم لا يرئّسونه . وإذا اتفق أن رأسهم فهو بعد إما مخلوع وإما مقتول وإما مضطرب الرئاسة منازع فيها . وكذلك سائر المدن الجاهلة : إنما تريد كل واحدة منها أن يرأسها من يوطئ لها متخيرها وشهواتها ويسهّل لهم السبيل إليها وينيلهم إياها ويحفظها عليهم . فهم يأبون رئاسة الأفاضل وينكرونها . إلا أن إنشاء المدن الفاضلة ورئاسة الأفاضل يكون من المدن الضرورية ومن المدن الجماعية من بين مدنهم أمكن وأسهل « 1 » . والضروري واليسار والتمتع باللذات وباللعب والكرامة قد ينال ذلك بالقهر والغلبة وقد ينال بوجوه أخر . فالمدن الأربع « 2 » تنقسم هذه القسمة وكذلك الرئاسات التي مقصودها هذه الأربعة أو أحدها . منها ما يقصد إلى بلوغ مقصودها بالغلبة والقهر ومنها ما يقصده بوجوه أخر غير هذه . فالذين يستفيدون هذه الأشياء بالغلبة والقهر ويحوطون ما
--> ( 1 ) مصير رئيس المدن الجاهلة القتل أو الخلع أو التنازع . وهو في رأي الفارابي لا يكون فاضلا لأن أهل المدن الجاهلة يأبون رئاسة الأفاضل عدا المدن الضرورية والمدن الجماعية . ( 2 ) يقصد بها الضرورية والنذالة والخسة والكرامة .